محمد بن جرير الطبري
34
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وَيَقُولُونَ أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ يعنون محمدا صلى الله علبه وسلم . وقوله : بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وهذا خبر من الله مكذبا للمشركين الذين قالوا للنبي صلى الله علبه وسلم : شاعر مجنون ، كذبوا ، ما محمد كما وصفوه به من أنه شاعر مجنون ، بل هو لله نبي جاء بالحق من عنده ، وهو القرآن الذي أنزله عليه ، وصدق المرسلين الذين كانوا من قبله . وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ بالقرآن وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ أي صدق من كان قبله من المرسلين . القول في تأويل قوله تعالى تعالى : إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ . . . رِزْقٌ مَعْلُومٌ يقول تعالى ذكره لهؤلاء المشركين من أهل مكة ، القائلين لمحمد : شاعر مجنون إِنَّكُمْ أيها المشركون لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ الموجع في الآخرة وَما تُجْزَوْنَ يقول : وما تثابون في الآخرة إذا ذقتم العذاب الأليم فيها إِلَّا ثواب ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدنيا ، معاصي الله . وقوله : إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ يقول : إلا عباد الله الذين أخلصهم يوم خلقهم لرحمته ، وكتب لهم السعادة في أم الكتاب ، فإنهم لا يذوقون العذاب ، لأنهم أهل طاعة الله ، وأهل الإيمان به . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِلَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ قال : هذه ثنية الله . وقوله : أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ يقول : هؤلاء هم عباد الله المخلصون لهم رزق معلوم ؛ وذلك الرزق المعلوم : هو الفواكه التي خلقها الله لهم في الجنة ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ في الجنة . حدثنا محمد بن الحسين ، قالا : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ قال : في الجنة . القول في تأويل قوله تعالى : فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ . . . لا فِيها . . . يُنْزَفُونَ قوله فَواكِهُ ردا على الرزق المعلوم تفسيرا له ، ولذلك رفعت وقوله : وَهُمْ مُكْرَمُونَ يقول : وهم مع الذي لهم من الرزق المعلوم في الجنة ، مكرمون بكرامة الله التي أكرمهم الله بها فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ يعني : في بساتين النعيم عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ يعني : أن بعضهم يقابل بعضا ، ولا ينظر بعضهم في قفا بعض . وقوله : يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ يقول تعالى ذكره : يطوف الخدم عليهم بكأس من خمر جارية ظاهرة لأعينهم غير غائرة ، كما : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ قال : كأس من خمر جارية ، والمعين : هي الجارية حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا سفيان ، عن سلمة بن نبيط ، عن الضحاك بن مزاحم ، في قوله : بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ قال : كل كأس في القرآن فهو خمر حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الله بن داود ، عن سلمة بن نبيط ، عن الضحاك بن مزاحم ، قال : كل كأس في القرآن فهو خمر حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ قال : الخمر . والكأس عند العرب : كل إناء فيه شراب ، فإن لم يكن فيه شراب لم يكن كأسا ، ولكنه يكون إناء وقوله : بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ يعني بالبيضاء : الكأس ، ولتأنيث الكأس أنثت البيضاء ، ولم يقل أبيض ، وذكر أن ذلك في قراءة عبد الله : " وصفراء " . حدثنا محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، في قوله : بَيْضاءَ قال السدي : في قراءة عبد الله : " وصفراء " وقوله : لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ يقول : هذه الخمر لذة يلتذها شاربوها . وقوله : لا فِيها غَوْلٌ يقول : لا في هذه الخمر غول ، وهو